فضاء حر

التمايز في الموقفين السعودي والامريكي حيال اليمن وفشل “الشرعية” في عدن يدفعان المبعوث الأممي الى التمسك بالنقاط ال كمنجز شخصي كبير

يمنات
تسيطر الرياض كليا على مسرح العمليات في اليمن، عسكريا وديبلوماسيا، ما يفيد أن موقفها سيكون حاسما حيال نجاح أية مقترحات بشأن تنفيذ القرار الدولي 2216 يتقدم بها المبعوث الدولي اسماعيل ولد الشيخ.
من الواضح ان هناك تمايزا _ ولا اقول تباينا في الوقت الراهن_ بين الموقفين السعودي (الخليجي) وبين الموقف الغربي (الاميركي_ البريطاني أساسا) بشأن الملف اليمني.
السعوديون يخوضون مباراة صفرية ارتكازا على القرار الدولي الذي ينهي مفاعيل انقلاب الحوثيين وصالح، ويشرعن العمليات العسكرية التي تقودها الرياض في اليمن، ويؤكد على شرعية الرئيس هادي وعودته إلى العاصمة اليمنية، ويفرض عقوبات ضد أبرز القادة في تحالف الحوثي_ صالح. وحتى الآن لا يظهر السعوديون أية علامات على نيتهم التخلي عن قواعد المباراة الصفرية (يا قاتل يا مقتول في الحالة اليمنية) لصالح مباراة غير صفرية تنتهي بتسوية سياسية تحقق عودة الشرعية (ممثلة بهادي وحكومة بحاح) من دون ان نتهي فرص الحوثيين وصالح في الاستمرار في العملية السياسية.
في المقابل، يعارض الاميركيون وحلفاؤهم الغربيون وبعض الحكومات العربية (عمان ومصر على سبيل المثال) المبارة الصفرية من حيث المبدأ لأنهم يعتقدون أن القضاء على الحوثيين وصالح (المؤتمر الشعبي) خيار غير واقعي ويصب في صالح جماعات مسلحة وتيارات متطرفة تعقد استراتيجية الغرب في الحرب على الإرهاب في اليمن والمنطقة.
يدفع الاميركيون باتجاه تسوية سياسية في ظل نفاد فترة السماح الممنوحة للسعودية والتحالف العربي لتجريب خيارهم العسكري. والحاصل أن ارتباك التحالف العربي في الجبهة العسكرية منذ اندحار الحوثيين في عدن، هو ما وفر للمبعوث الدولي اسماعيل ولد الشيخ فرصة جديدة لاقتراح خطوات في المسار السياسي كما توضح رسالته إلى مساعد الأمين العام للأمم المتحدة جيفري فيلتمان (التي تسربت إلى الصحافة قبل أيام).
الرسالة التي يعززه مصداقيتها منهج المبعوث الدولي الجديد منذ ابريل، ترتكز على اخفاقات “الشرعية” بأكثر ما تنبتي على “تنازلات” الحوثيين وصالح التي يلوح بها ولد الشيخ كبطل عاد للتو من معركة ظفر بها.
في رسالته (التي لا تحتمل التأويل) يدين ولد الشيخ التحالف السعودي_ العربي الذي يتشدد في مواجهة الحوثيين بينما عملياته تعزز من وجود “القاعدة” وجماعات سلفية وجهادية، مسلطا الضوء على فشل “الحكومة” في التقدم باتجاه المحافظات الشمالية لأن “المقاتلين الجنوبيين” يرفضون ذلك، ويتمسكون بمطلب الاستقلال.
انطلاقا من الفشل في تعز (التي استعاد الحوثيون فيها مواقع خسروها الشهر الماضي كما يقول) والاخفاق في عدن التي تزدهر فيها الجماعات المسلحة وبخاصة الاسلامية المتطرفة، يقترح ولد الشيخ في رسالته إلى فيلتمان تفعيل آليات جديدة من أجل السلام في اليمن بينها اجراء جلسة مفاوضات مباشرة بين الحوثيين وحكومة هادي. وفي هذه النقطة لا يبدو الرجل واضحا في مقصده إذ ان ينقل لفيلتمان ما يصفه بامتعاض السفير الاميركي من التمثيل السعودي المنخفض في مفاوضات مسقط (ضابطان من المخابرات السعودية).
هل يقصد مفاوضات على غرار جنيف قبل شهرين ونصف، أم تراه يقصد مفاوضات بين الحوثيين والرياض (ومع الرياض “السلطة الشرعية”)؟
الأكيد أن ولد الشيخ في رسالته يبدو متحررا من الشكليات، فهو يخاطب فيلتمان كرئيس يتلقى منه التعليمات لا كمبعوث أممي هو “سيد قراره”.
في الرسالة يظهر ولد الشيخ حفيا بما يعتبره انجازا شخصيا من جولة اتصالاته مع الحوثيين والمؤتمر الشعبي بحضور اميركي بريطاني سعودي (بتمثيل منخفض). هذا الانجاز هو 7 نقاط احدها تتحدث عن عودة حكومة بحاح. والنقاط ال7 تغفل أي ذكر للرئيس هادي. لكن الرسالة تفيد صراحة بأن الحوثيين متمسكون برفضهم عودة هادي لكنهم يقبلون عودة بحاح لمدة 60 يوما يجري خلالها تشكيل حكومة وحدة وطنية.
ما تقوله نقاط ولد الشيخ ورسالته إلى فيلتمان هو أن واشنطن ولندن وأطراف أخرى دولية وعربية، لا يمانعون انجاز تسوية تسمح بخروج هادي من المشهد لصالح تثبيت نائبه كرئيس جديد لليمن. وهذا هو التنازل الذي يعتقد ولد الشيخ انه انتزعه من الحوثيين.
لم يكن المبعوث الدولي ليتجاوز ما تعتبره الرياض محرمات لولا الاخفاقات في عدن وتعز والبيضاء.
بعد ساعات سيقدم المبعوث الدولي تقريره إلى مجلس الامن. ومن المؤكد أن اللغة التي سيعتمدها تغاير كليا لغة رسالته (الداخلية) إلى فيلتمان. لكنه سيتحدث، ارتكازا على النقاط ال7 عن تقدم في مواقف اطراف الحرب، وموافقة الحوثيين على القرار 2216، وهي الموافقة التي تستلزم مفاوضات مباشرة للاتفاق حول الاليات.
***
تفصح رسالة ولد الشيخ عن أزمة في علاقته ب”الشرعية” التي يظهر عجزها عاريا في عدن.
تفصح الرسالة، أيضا، عن مشاعر سلبية ينطوي عليها حيال الرياض التي تتشدد رغم ان حربها في اليمن تعزز القاعدة والسلفيين والاصلاح.
تفصح الرسالة ثالثا، عن افتراق بين الموقفين الاميركي والسعودي. ولذلك يطلب ولد الشيخ من فيلتمان (السفير الاميركي السابق في بيروت والمسؤول في الامم المتحدة راهنا) تفعيل ادوات مساعدة لإقناع الاطراف بجلسة حوار (أو تفاوض) مباشر.
يشير ولد الشيخ في رسالته المتخففة من الرسميات، إلى “أبوعلي”، وهو شخص غامض لا يحدد صفته في الرسالة.
***
ماذا يفعل ولد الشيخ؟
من زاوية فإن رسالته تكشف عن ما يمكن وصفه ب”الاستمرارية” في اداء المبعوثين الدوليين إلى اليمن. مقتفيا خطى سلفه جمال بنعمر، يبدو المبعوث الجديد راكنا إلى دعم بريطاني واميركي أكثر منه ملتزما ضوابط وحدود مهمة موكلة إليه في اليمن تتعلق بتنفيذ القرار 2216.
رسالته تعزز معلومات عن خلاف متنام بين واشنطن والرياض بقدر ما تؤكد ما ظهر سابقا عن خلافات بينه وبين الرياض وضيوفها الشرعيين.
الرياض الذي تحكم سيطرتها على مسرح العلميات العسكرية (حتى وإن كانت “تتقدم ببطء” حسب تعبير ولد الشيخ التعييب!) وتتحكم ديبلوماسيا بالملف اليمني طبق القرار 2216، ليست في وارد التخلي عن “المكتسبات” التي تحصلت عليها بفعل الشرعية والدولية في اليمن. لكن الفشل في عدن وتعز والكُلف المترتبة على زحف القوات التي تتجمع في مأرب باتجاه العاصمة، من شانهما إلحاق تصدعات في موقف التحالف العربي المتماسك حتى الان.
مبدئيا يمكن أن لللشرعية (هادي وبحاح) والتحالف العربي (الرياض) المحاججة بالقرار الدولي الذي يقول اسماعيل ولد الشيخ ان الحوثيين وافقوا عليه، وأن ما تتضمنه النقاط ال7 هو افضل ما يمكن تحقيقه راهنا (او بحسب تعبيراته، ان لا يمكن الذهاب إلى ابعد منه هذه النقاط). فالنقاط ال7 لا تتضمن بندا بعودة هادي (بما هو “الشرعية” التي يطالب القرار بعودتها إلى صنعاء)، وبالتالي يمكن لهما دحض فرضية ولد الشيخ في أن الحوثيين وصالح وافقوا على القرار فرفض هادي يعد رفضا للقرار.
***
الثابت ان الحوثيين يبعثون اشارات ايجابية. لكن السعوديين يريدون خوض المباراة الصفرية حتى النهاية، ولا يظهر ان ل”الشرعية”، بما هي عنوان هذه الحرب، كلمة في المسار الديبلوماسي فهي المتغير التابع والمستلحق لأسباب عديدة:
_ فشل هذه “الشرعية” في تقديم نفسها إلى المجتمع الدولي كسلطة جديرة بالتثقة أو التعويل عليها في الإمساك بالدولة اليمنية حتى في حال أمكن للسعوديين خوض مباراتهم الصفرية في اليمن حتى تحقيق اهدافهم كاملة (وهذا احتمال ليس مرجحا كما يقول المبعوث الدولي، وكما يتضح من مسار الحرب خلال الأسابيع الاخيرة)؛
_ عجز هذه “الشرعية” في الإمساك بمقاليد الأمور في عدن ولحج وأبين بعد دحر الحوثيين وصالح منها. واخفاقها منذ نحو شهرين في تحقيق أي تقدم ميداني (جدير بالذكر) في تعز والبيضاء ومأرب؛
_ فشل هذه الشرعية في التعامل مع ملف محافظة حضرموت حيث “القاعدة” تكرس تواجدها في المكلا، عاصمة المحافظة. والأخطر من هذا أن “الشرعية” و”التحالف” يعتبران “القاعدة” _ خلافا للموقف الاميركي_ تحديا عرضيا منذ 6 أشهر (بداية العلميات الحربية للتحالف في اليمن)؛

_ اتساع تغطية تقارير وكالات الأنباء الدولية لمظاهر وجود القاعدة وجماعات مسلحة أخرى في عدن ولحج وأبين و(مؤخرا) تعز؛
_ الانقسامات داخل هذه “الشرعية” بخصوص بديهيات ادراتها لشؤون الدولة حتى من الرياض. ومن الملحوظ _ بل والمتداول في اللقاءات والاتصالات_ أن الخلافات بين الرئيس ونائبه تتسع وتتعمق في ظل تنامي فرص الثاني في الحلول محل الأول في اية تسوية قادمة.
_ إن الزخم الذي تحقق لهذه “الشرعية” في مطلع الحرب يتآكل مع مرور الوقت. فالواضح أن هذه “الشرعية” فشلت في استثمار “التعاطف الشعبي” معها بعد الاجراءات التنكيلية للحوثيين بحق رموزها، وتقاصرت عن استثمار التدخل السعودي لصالحها خصوصا في “عدن” التي صارت عنوانا لفشل هادي والحكومة اللذين يذكران اليمنيين بما حدث في العاصمة صنعاء قبل نحو عام. وهو فشل يتزامن مع نجاح “القاعدة” في التغلغل إلى عدن وتعز، بل ونقل بعض اساليبها في السيطرة على المكلا، إلى المدينيتن.
***
بعد ساعات سيقدم المبعوث الدولي تقريره إلى مجلس الأمن.
مستفيدا من مظاهر عجز “الشرعية” وتنامي حضور “الجماعات المسلحة” غير الشرعية في عدن وتعز والمكلا ولحج وأبين، وتباطؤ تقدم قوات “التحالف” في مأرب والبيضاء وتعز، وفداحة الكلف الانسانية جراء أي تفكير باجتياح صنعاء، سيطلب ولد الشيخ دعم مفاوضات مباشرة بين الأطراف على ضوء ما يعتبره اختراقا كبيرا في موقف الحوثيين وصالح.
ليس لدى “الشرعية” ما ترد به على الفشل في عدن وغيرها من المحافظات. لكنها ستنوع على ما تعتبره رفضا صريحا للقرار الدولي بإغفال الرئيس هادي بما هو رمز “الشرعية” وحاملها.
أما “التحالف” السعودي_ العربي ففي وسعه ان يذكرالمبعوث الدولي بمهامه المنصوص عليها في القرار الدولي وليس من بينها استكشاف مواقف الحوثيين واستمزاج تقبلهم لهذا البند أو ذاك من القرار، بل العمل من اجل تنفيذه والتفاهم مع الأطراف جميعا حول اليات التنفيذ المزمن.
***
لدى السعودية قرار مجلس الأمن.
ولدى الاميركيين والبريطانيين المبعوث الأممي الذي يضبط حركته على ايقاعهما كما يظهر من تصريحاته وأدائه، وأخير رسالته إلى فيلتمان.
ما يجري في مسقط هو محاولة اميركية_ غربية لانتزاع تنازلات من الحوثيين لصالح تسوية سياسية. هذا يدفع السعوديين إلى المبادرة إلى تصعيد ميداني يخلق انطباعا بأن القدرة على إنهاء المباراة الصفرية طبق المخطط له حربيا، هو في المتناول.
ما يفعله المبعوث الأممي هو يتساوق والمقاربة الاميركية ويتعارض والمقاربة السعودية. وما تتضمنه رسالته إلى فيلتمان ينطوي على تعريض بالسعودية وتحريض على سلوكها وسلوك حلفائها في اليمن الذي يخدم “الإرهاب”.
لكن السعودية التي اطاحت بجمال بنعمر ليست في وارد التصعيد ضد ولد الشيخ، خصوصا وان الإخفاقات على الأرض في عدن وتعز والبيضاء تمنحه هامشا للحركة بعد نحو 6 أشهر من تفجر الحرب الشاملة في اليمن.
****
الأمم المتحدة ليست نقابة مهنية او جمعية خيرية. إنها مسرح اخراج قرارات الأقوياء وشرعنتها. وهي احيانا منصة عرض يقدم فيه الأقوياء فرصة للضعفاء للرطانة والثرثرة والقاء الخطب الحماسية.
وفي الحالة اليمنية، فإن السعوديين يتحكمون بالملف اليمني بالتأكيد، لكن الأميركيين ليسوا معجبين بما تفعله الرياض ولسوا مقتنعين بهذه “الشرعية” التي تقود السعودية تحالفا عربيا من اجل نصرتها. ما يعني ان الفاعل الاقليمي الأول في اليمن ليس متناغما في مقاربته اليمنية مع الفاعل الدولي الأول. هذا يجعل من المستبعد أن يبادر مجلس الأمن إلى مراجعة القرار الدولي. وقصارى ما يمكن ان يحدث في جلسة الليلة (بتوقيت صنعاء) هو توفير أرضية لتحرك خارج مجلس الأمن لإقناع الرياض بإبداء المرونة، وذلكم هو قصارى ما يريده ولد الشيخ حسب ما تفيد رسالته (غير الديبلوماسية بالمرة) إلى جيفري فيلتمان!
من حائط الكاتب على الفيسبوك

زر الذهاب إلى الأعلى